ابن المقفع

26

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

النفسي » ، في تنمية العقل وإحلاله المرتبة التي يتفق له معها تحمل تبعات الوجود . فالعقل عنده طاقة كامنة مليئة بالاستعدادات ، قادرة على المنطق الصالح إذا أحياها الأدب ، وأمدها بأسباب النماء والعطاء ، يقول : « فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها . . إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها فيذهب عنها أذى اليبس والموت ، ويحدث لها بإذن اللّه القوة والحياة ، فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب : لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها » . على ضوء هذا التفنيد ، لجانب من فاتحة « الأدب الصغير » ، بوسعنا التعرف إلى موضوع الكتاب ، ومفهوم الأدب الذي قصد إليه ابن المقفّع . فالكتاب على هذا النحو يتجاوز في غايته التهذيب الخلقي ليدور حول « التربية » بمدلولها الأعم والأشمل ، وهو الأعداد للحياة ، ما دام يقرن الوجود ب « العقل الصحيح » . و « الاختيار بالبصر » و « تنفيذ البصر بالعزم » . وسمة أخرى من سمات ابن المقفع المثاليّة ، عدم تنكره لقيمة الأدب المهذّب للنفس تبعا لمصدره . فنظرته إنسانية سمحة ، تتجاوز كلّ حواجز الفردية والأنانية والعصبيّة ، فمن حق الإنسان أن يفيد من حكم الأولين السابقين ومن تجاربهم ، لأن جوهر الذات واحد ، والأدب علاج النفوس في كل زمان ومكان ، والسبيل إليه : المنطق السليم ، والتعلم القويم « وجلّ الأدب بالمنطق ، وجلّ المنطق بالتعلّم ، ليس منه حرف من حروف معجمه ، ولا اسم من أنواع أسمائه إلا وهو مرويّ ، متعلم مأخوذ عن إمام سابق : من كلام أو كتاب » . * هوية الكتاب وعلى أساس ما تقدم ، يقرّ ابن المقفع بانتهاله « الأدب » ، سواء أكان حكمة ومثلا ، أو نصحا وموعظة ، من مناهل الألباب والعقلاء بدون تحديد . فمادة الكتاب ليست من ابتداع عقله ، أو عطاء فكره الخالص لقوله : « وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها ، وإحياء للتفكير ، وإقامة للتدبير ، ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق » . فالكتاب ليس تأليفا خالصا ، كذلك ليس هو ترجمة خالصة ، إنه انتقاء